محمد متولي الشعراوي

9374

تفسير الشعراوي

بذلك أولو العلم شهادة استدلال بالمخلوقات التي رأوْها على أبدع نظام وأعجبه ، ولا يمكن أن ينشأ هذا كله إلا عن إله قادر . وقد سلمتْ لله تعالى هذه الدَّعوْى ؛ لأنها قضية صادقة شَهِد بها سبحانه لنفسه ، وشَهِد بها الملائكة وأولو العلم ولم يَقُمْ لها معارض يدِّعِيها لنفسه . وإلا والعياذ بالله أين ذلك الإله الذي أخذ الله تعالى منه الألوهية ؟ فإما أنْ يكون لا يعلم ، أو عَلِم بذلك ولم يعترض ، وفي كلتا الحالتين لا يستحق أن يكون إلهاً . والدَّعْوى إذا لم تُجْبَه بمعارض فقد سلمتْ لصاحبها ، إلى أن يُوجَد المعارض . وكأن الحق سبحانه قال : لا إله إلا أنا ، وأنا خالق الكون كله ومُدبِّر أمره ، ولم يَأْتِ أحد حتى من الكفار يدَّعي شيئاً من هذا . وقد ضربنا لهذه المسألة مثلاً ولله المثل الأعلى : هَبْ أنه نزل عندك مجموعة ضيوف وزوار ، وبعد انصرافهم وجدتَ حافظة نقود فسألتَ عن صاحبها ، فلم يدَّعِها أحد إلى أنْ قال واحد منهم : هي لي ، إذن : فهو صاحبها ، وهو أحقُّ بها حيث لم يَقُمْ له معارض . لذلك يقول تعالى : { قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً } [ الإسراء : 42 ] . يعني إنْ كان هناك آلهة أخرى فلا بُدَّ أنْ يذهبوا إلى صاحب العرش ، إما ليخضعوا له ويستلهموا منه القدرة على فِعْل الأشياء ، أو ليُحاسبوه ويُحاكموه : كيف يدَّعي الألوهية وهم آلهة ؟ ولم يحدث شيء من هذا كله ، ولا أقام أحد دليلاً على أنه إله ، والدَّعْوى إذا لم يَقُمْ عليها دليل فهي باطلة .